ابن عربي
94
فصوص الحكم
بذا جاء برهان العيان فما أرى * بعيني إلا عينه إذ أعاين أي لم يبق إلا « الواحد الحق » الذي لا كثرة فيه وكل كائن سواه لا وجود له . ولذا قال لا شيء موصول بآخر بالمماثلة ، ولا شيء بائن ( مختلف ) عن غيره بالمغايرة . هذا هو الذي يؤيده الشهود القلبي وتعاينه عين البصيرة . أما الذي يبقى على التمييز بين العبد والرب ، ويقول بالمغايرة بينهما ، فهو الجاهل بحقيقة الأمر المحجوب عن مشاهدة الوحدة ، الخائف من أن يكون هو الحق : وهو معنى قوله : « * ( ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّه ) * أن يكونه لعلمه بالتمييز » . ( 10 ) « ولا يُلقَى عليك الوحي في غير ولا تلقِي » . إذا كان الوجود واحداً لا فرق بين حقه وخلقه ولا بين ربه وعبده فما معنى الثنوية في الوحي ؟ أي ما معنى قولنا ان الوحي ينزل من الحق إلى الخلق أو من الرب إلى العبد ؟ لا نزول ولا وساطة في النزول في مذهب ابن عربي ، فما يلقَى الوحي في غير ذات الحق ولا من غير ذات الحق ، أو كما يقولون ، لا يلقى الوحي إلا من مقام الجمع إلى مقام التفصيل . الوحي إذن انبعاث من ذات النفس الإنسانية وكشف عن أعماقها ، أو هو فيض من الروح الكلي الساري في جميع النفوس الجزئية المتحد بها على الدوام . وليس ابن عربي أقل حرصاً في تشبثه بوحدة عالم الروح من أفلوطين ( راجع تساعيات أفلوطين ترجمة ما كِنَّا مجلد 3 ص 13 - 14 ) . بل هو أقوى من سلفه في القول بهذا المعنى وأبعد من التناقض لأنه لا يقرر وحدة النفوس فحسب ، بل وحدة الوجود كله . وقد كان ابن عربي أشد ما يكون صراحة عندما نفى الوحي - بل كل المعارف الباطنية - بطريق الوساطة في قوله في الفص الشيثي « فأي صاحب كشف شاهد صورة تلقى إليه ما لم يكن عنده من المعارف ، وتمنحه ما لم يكن قبل ذلك في يده ، فتلك الصورة عينه لا غيره : فمن شجرة نفسه جنى ثمرة غرسه ، كالصورة الظاهرة منه في مقابلة الجسم الصقيل ليس غيره ، إلا أن المحل أو الحضرة التي رأى فيها صورة نفسه تلقى إليه ، ينقلب من وجه لحقيقة تلك